محمد جمال الدين القاسمي
100
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الإسلاميّ قد انتشر بالسيف ! فإن هذا القول لا يضرّ جوهر الدين شيئا ؛ فإن المنصفين من الأوروبيين يعلمون أنه قام بالدعوة والإقناع ، وأن السيف لم يجرد إلّا لحماية الدعوة . وإنما التملص منه يضر المسلمين لأنه يقعدهم عن نصرة الدين بالسيف ، ويقودهم إلى التخاذل والتواكل ، ويحملهم على الاعتقاد بترك الوسائل فيستخذون إلى الضعف كما هي حالتهم اليوم ، وتبتلعهم الأمم القوية التي جعلت شعار تمدّنها السيف أو القوة . . ! . قال : يجب على المسلمين أن يدرسوا آيات الجهاد صباح مساء ، ويطيلوا النظر في قوله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ الأنفال : 60 ] ، لعلّهم يتحفّزون إلى مجاراة الأمم القوية المجاهدة في الأمم الضعيفة . . ! . وقوله تعالى : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ من الكراهة ، فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة . كقول الخنساء : فإنما هي إقبال وإدبار كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له ، أو هو فعل بمعنى مفعول - كالخبز بمعنى المخبوز - أي : وهو مكروه لكم ، وهذا الكره إنما حصل من حيث نفور الطبع عن القتال - لما فيه من مؤنة المال ، ومشقة النفس ، وخطر الروح والخوف - فلا ينافي الإيمان . لأنّ كراهة الطبع جبلية لا تنافي الرضاء بما كلف به . كالمريض الشارب للدواء البشع . وفي القاموس وشرحه : ( الكره ) بالفتح ويضمّ : لغتان جيدتان بمعنى الإباء والمشقة . قال ثعلب : قرأ نافع وأهل المدينة في سورة البقرة وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ بالضم في هذا الحرف خاصة ، وسائر القرآن بالفتح . وكان عاصم يضم هذا الحرف والذي في الأحقاف : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [ الأحقاف : 15 ] ، ويقرأ سائرهن بالفتح . وكان الأعمش وحمزة والكسائي يضمون هذه الحروف الثلاثة والذي في النساء : لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [ النساء : 19 ] ، ثم قرءوا كل شيء سواها بالفتح . قال الأزهريّ : ونختار ما عليه أهل الحجاز : أنّ جميع ما في القرآن بالفتح إلا الذي في البقرة خاصة ، فإنّ القراء أجمعوا عليه ! . قال ثعلب : ولا أعلم بين الأحرف التي ضمّها هؤلاء وبين التي فتحوها فرقا في العربية ، ولا في سنة تتبع ، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة ، إلا أنه اسم وبقية القرآن